الرئيسية تعريف بأهل القرآن الرسالة والمنهج

{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُوا الصَّلوَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}

 

 

{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُوا الصَّلوَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}

 

إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} سُورَةُ الأَحْزَابِ

 

"كان الله ولم يكن شيءٌ غيرَه

وكان عرشُه على الماء

وكتب في الذكر كل شيء

وخلق السموات والأرض"

رواه البخاري

 

هكذا بدأ الخلق، ثم أرسل اللهُ الرسل، وأنزل الكتب، فختم الرسل بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، وختم الكتب بالقرآن، كل هذا ليُعْلَم أن لا إله إلا الله.

فغدا الناس عامة، والمسلمون خاصة، أمام برهانيْن لا ثالث لهما، كتاب الله وحديث رسوله الخاتم. وما حديث النبي (صلى الله عليه وسلم)إلاّ تبياناً للكتاب المجيد.

وبهذا الاستمساك من النبي (صلى الله عليه وسلم)بالقرآن،  صار القرآن خُلُقَ الرسول الإمام.

 

فهو القرآن إذن، أصل العلم والهدى والنور، وآخر عهد الله إلينا، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} سُورَةُ الْمَائِدَةِ

 

ولا يخفى على ذي بصر، ما عليه المسلمون الآن –خاصتهم وعامتهم-، من الهجران لهذا العهد العظيم بيننا وبين ربنا {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءانَ مَهْجُورًا} سُورَةُ الفُرْقَانِ.

فاقتصر كثيرٌ من الخاصة على قليل ظاهر فيه، من المناسك والأحكام، وتركوا تدبر سائره من الحكمة والقَصص، بما يستلزمه التدبر من المعاني والأفعال، وبما يليق بهذا الكتاب العلي الحكيم.

 

ثم لا تسأل عن عامتهم!، فهم تبع لخاصتهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فلا يعدو القرآن عندهم كتاباً مقدّساً يبدأونه بالتقبيل، ويختمونه بالتقبيل، ولو قلّبوه وتدبروه وتدارسوه لكان خيراً لهم وأقوم. فنسأل الله لنا ولهم العافية.

 

وليس أدل على هذا التعطيل، من التعريف المشهور بيننا لهذا الكتاب المجيد، فما زلنا نعرفه بإنه: كتاب الله المتعبّد "بتلاوته"!. فاكتفى الناس لأجلها بالتلاوة والترنيم. وكان أولى أن نُعَرّفه بأنه: كتاب الله المتعبّد "به"، تلاوة وتدبراً وتدارساً واحتكاماً واهتداءً.

 

فكم في القرآن من مسألة عظيمة على خطر، ليس لها من يرعاها ويشتغل ويشاغل بها، وكم من مسألة مهجورة معطلة، لا سائل فيها، عدا عمن يتدبر أو يجيب؟.

 

وما ذلك إلاّ من قول القائلين: إن هذه المسألة لا تعنينا، وذلك السؤال لا يفيدنا، وتلك تلفتنا وتشغلنا!، وهذا القول كثوب فضفاض عريض، يُلبسه من شاء لما شاء، فالسؤال الصالح يُنبئ عن نفسه، وتتلقفه العقول والألباب، وتحتفي به، والسؤال الفاسد تأباه طباع العقلاء أولي الألباب.

بينما نجد كثيراً من المعطّلين للاشتغال والبحث والسؤال، يغوصون خارج القرآن بكل شاردة فاردة صغيرة، وتراهم يتابعون بجهد وكدّ وتوقير، مسائل واحد من الفقهاء على اختلافاتها وافتراضاتها واحتمالاتها، ويزهدون بعظيم أصول كلام الله العليم الحكيم، بل ويمنعون غيرهم أن ينتفع ببركة العلم من السؤال في كلام الله، فقعدوا وأقعدوا!.

 

وترى الواحد منهم عالماً حاذقاً في اختلافات الفقه "المحْدَث" من "أفهام" الرجال، زاهداً منصرفاً عن وجه واحد لقراءة أخرى، من القراءات التي "أوحى" الله بها!.

 

وما ذلك إلاّ من اكتفائنا بجهد أئمتنا الذين أدّوا جهدهم قبل مئات السنين، وهم يرجون أن لا يقف الناس عند حدّ أو عند أحد، في التدبر والبحث والسؤال، بل ويرجون منهم إعادة النظر وإعادة السؤال فيما قدموه لنا. أوليس هذا كتاب الله للناس كافة، فما بالهم تدبروا واشتغلوا، ولم نفعل؟

 

فمن هم "أهل القرآن"

وماذا عليهم، وماذا يريدون؟.

 

"أهل القرآن" هم أمةٌ مُصلِحة، تسعى إلى رفع القرآن إلى درجته العليا الفاعلة في الناس، حتى يُصبح هو مورد علمهم، وراية هداهم، فيبدأون منه، وينتهون إليه.

 

فهم بهذا يستمسكون بمنهاج النبوة الأول، يوم كانت خِيرة هذه الأمة، وكان الناس بخير، لا يعرفون غير هذا الكتاب وذلك النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهذان هما فقط، عهد  الله وحجته.

 

فأهل القرآن جاؤوا ليُصلحوا ما أفسد الناسُ بحوض النبوة والكتاب، وينفوا عنه ما دخل عليه بغير حق، من أفهام كثير من الشارحين والمفسرين والمضيفين -ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً-، بعدما اختلط خالص القرآن، بشائب التفاسير، فغدا الناس لا يعرفون بينهما فرقاً ولا فاصلاً، فآمنوا بشروح المفسرين وظنهم، كما يؤمنون بكلام الله، وجعلوا قول "المتقوِّل" كقول الله!.

 

وقد ورد عن الصحابي أبي موسى الأشعري -موقوفاً ومرفوعاً- قوله:"إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً فتبعوه وتركوا التوراة"!. وهذا تالله ما نحن عليه اليوم، كتبنا كتباً، فتبعناها وتركنا القرآن. ومن أبى فليقرأ حديث النبوة: "لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع"!. رواه البخاري

و"أهل القرآن" يعلمون، أن الناس يألفون ما ألْفَوْا عليه آباءهم، فينكرون ويعجبون من كل جديد ولو كان هدىً ذا بينة {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ...  مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} سُورَةُ ص، فكان هذا "العجاب" وهذا "الاختلاق" هو الحق يومها، وكان الباطل ما أقاموا عليه وألفوه!.

 

فعلى "أهل القرآن" الصبر والثبات، والتبيان بالحجة والحسنى، بالكلمة والمسطور، وأن يحثّوا الناس حثاً، وأن يُرغّبوهم ترغيباً، وأن لا يهنوا ولا يضعفوا ولا يستكينوا، فالأمر جِدّ كبير {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} سُورَةُ الأعراف

 

و"أهل القرآن" أمةٌ مؤمنة بهيبة هذا الكتاب، "القرآن"، مؤمنون بعظمته وسلطانه وهيمنته، إيماناً فاعلاً، وهم أمة يدينون لله بأن ليس في هذا الكتاب كلمة ولا حرف، إلا ولها ما لها، ووراءها ما وراءها، إيماناً جازماً منهم بفضل كلام الله على كلام الناس، كفضل الله على عباده. فلا يقبلون ولا يُجيزون تعطيل التفصيل لصالح العبرة، ولا تعطيل العبرة لصالح التفصيل!. ويرون اكتفاء الناس بما يسمونه "العبرة العامة"، على حساب التفصيل الحكيم، يرونه تضييعاً للكتاب، واستهانة بحكمة الله وعلمه، عدا أن ليس في الناس بعد النبي (صلى الله عليه وسلم)من يملك الفاصلة بين العبرة والتفصيل. فالعبرة آية، والتفصيل آية. {إنَّ رَبِّي لَطيفٌ لِمَا يَشَاءُ، إنّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ} سورة يوسف

فقام "أهل القرآن" ليحمل كل فرد منهم هذا الشرف بنفسه، ويُعينوا من حمله من الدعاة والعاملين لهذا الدين، في التدبر والتفكر والاشتغال، كل قدر ما أعطاه الله من السمع والبصر والفؤاد، فيتدارسوا مسائله، ويستعرضوا بيناته، ويتراجعوه بينهم على ما عندهم من الإيمان بعلوه وسموه، مستمسكين بوصية النبي (صلى الله عليه وسلم)، بالاستمساك بالكتاب وصحيح الحديث وحسب، ناظرين في جهد كل ذي جهد من العلماء والناظرين، آخذين ما ساندته البينات وحفته البراهين من اجتهاداتهم، تاركين ما لم تصاحبه البينات، ولم يسند إلى نبينا (صلى الله عليه وسلم)بالسند الصحيح، أيّاً كان قائله، تعظيماً لذات الحق لا انتقاصاً من أحد، مشترطين على كل عالم أن لا ينفق إلا من ميراث النبوة، فالعلماء ورثة الأنبياء، ولو تقوّل النبي لعُذّب، فلن يُعفى العالم منها!. {وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَينَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لَأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَميِنِ ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ، فِمَا ِمنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عنْهُ حَجِزين} سورة الحاقة.

 

وهدي الصحابة العدول في التشدد بالأخذ والتصديق، بعضهم عن بعض، وهم الصادقون المستأمَنون، أكثر من أن يحصى، والذين جاؤوا من بعدهم ليسوا بأعز منهم، فكلٌ يُؤخذ من فمه ويُرد عليه، إلا رسول الله محمداً (صلى الله عليه وسلم)!.

 

ولو كان منهج الممسكين الراكنين لما سبق، بِغَثِّه وسمينه، لو كان منهجهم صحيحاً لما جهل الناس، فالشجرة الصالحة لا تعطي ثماراً رديّة!.

 

كل هذا، وركن "أهل القرآن" الأول، أن هذا القرآن هو كتاب الله لهذا الزمان بما فيه ومن فيه، كما كان على حاله الكاملة المطلقة عند الأولين، فعلينا أن نقرأه من نفسه هو، لا من أفهام الناس، إلا ما كان من فهم جامع متفق "محقَق" لصحابة النبي (صلى الله عليه وسلم)، على ما حضروا من تبيان النبي (صلى الله عليه وسلم)له، في الشريعة والملة. وما عداه مما سكت النبي (صلى الله عليه وسلم)عن تأويله، فهو لنا ولهم، وعلينا وعليهم، {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} سُورَةُ النِّسَاءِ.

 

ونقول للمستمسكين بكل ما وصلنا من "أقوال" الأولين، صحيحها وباطلها، المشفقين عليها، المُغمِضين فيها، نقول لهم: أرأيتم إن أخذ الله هذه الكتب كلها، فلم يُبق لنا إلا كتابه وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، فهل لقائل أن يقول: إن شيئاً من حجة الله ضاع؟.

 

فنحن بوضوح وقوة، على وصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، أن لا نستمسك إلا بالكتاب وحديثه الصحيح، فإن اختلفنا في شيء أو غمّي علينا فيه، رجعنا إلى ما "ثبت ووثق" من إجماع الصحابة الأعيان فقدمناه. وما سوى ذلك، فلنا أن نمتحن ونتبيّن، إن حقاً قبلناه، وإن باطلاً رددناه، فربهم ربُنا ونبيهم نبينا، ورب مبلّغ أوعى من سامع إلى يوم القيامة، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ ربّك} سورة الزخرف.

 

فمن وافقنا على قول يرى فيه بينة وبرهاناً، حمله معنا ونصح فيه لنا ولإخواننا، ودعا إليه، وبين للناس، وثبت عليه، ولو كان الخلاف عند الأكثرين، فالحق واحدٌ بدأ بواحد.

ثم اعلموا أن الله أولى بكتابه من الناس، ولكن ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.

فمن ثبت ثبت على عظيم، ومن نكث نكث عن عظيم.

 

فهذه هي رسالة "أهل القرآن" لكل ذي عهد مع الله، والدين النصيحة، أن يحملوا القرآن حق حمله، وأن يرفعوه إلى درجته، وأن يُقدّموه ولا يتقدّموه، وأن يكون القرآن نهارَهم وليلهم، وأن يدفعوا إليه أذكاهم عقولا وأحسنهم رأياً وأعملهم فكراً وأكثرهم جهداً. وأن يدفعوه إلى صفوتهم من النجباء والأذكياء، فيجتمعوا على كنزه، ويتدارسوا خبأه وسره {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ، مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} سُورَةُ يوسف.

 

 

وليس هذا مقصوراً على فئة دون غيرها، كما لم يكن القرآن لفئة دون غيرها، بل هو للناس كافة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} سُورَةُ النِّسَاء، فالمحامون والأطباء والمهندسون والمدققون والمفكرون والاُدباء في مقدمة الناس، ومن شاء فليقرأ هذه الآية التي فهمها الكثير على غير مرادها من سورة فاطر {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلمؤا}، ولينظر حول الآية ليرى من هم "العلماء" المعنيون بهذه الدعوة الكريمة، ليرى أنهم علماء الحياة والخلق، دون حصرهم في علماء الشريعة والمناسك، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤا إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} سُورَةُ فَاطِر.

 

بل، ولحسرتنا، فإن عامة الأذكياء والنجباء ينصرفون عن دراسة القرآن والاشتغال فيه، إلى الاشتغال بالدنيا وكسب المتاع، فيما نجد صفوة عقول المسلمين في عهدهم الأول، على رأس الدارسين للقرآن والحديث، فلا جرم كان عهداً منيراً، فصار قاتماً لا روح فيه!.

 

ثم ارجع -أنار الله بصيرتك-، إلى الآية لترى كيف ذكر الله الخلق والحياة ثم ثنّى بـ"العلماء" ثم أردف ب"تلاوة" الكتاب، ثم انظر أين تضع نفسك منهم ومن الناس، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}!؟

 

ومن قال إن القرآن للمفسرين والفقهاء دون غيرهم، ولدارسي الشريعة من دون الناس، فقد كذب على الله ورسوله، وعطّل الكتاب، وليقل هو لنا فيمن بُعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومن هم أول من تلقى القرآن، غضاً من اللوح المحفوظ إلى شفة النبي الطاهر (صلى الله عليه وسلم)، ثم إلى مسامعهم؟، فسيقولون لكم: إنهم مشركو مكة والعرب الأميون. فقولوا: نحن –بلا ريب- خير من المشركين وأهدى!.

وهل كان أبو بكر -رضي الله عنه- أول يوم تلا النبي (صلى الله عليه وسلم)عليه القرآن فيه إماماً في التفسير، أو إماماً في الحديث، أو إماماً في الفقه، أو عمر أو عثمان أو أحد من الصحابة الأمناء؟. فبالقرآن الخالص صاروا وأصبحوا، وبه نصير ونصبح أمة بأمر الله، كما كان خيرنا من قبل.

 

واقرأوا هدي النبوة المعصوم، "ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به!". رواه مسلم

 

فلا يصدنّكم عن بركة التدبر والدراسة ما صَدّ به من صدّ عن سبيل الله، فأقاموا الحُجب والسدود دون الناس والقرآن، وهم يخوفونهم من البحث والنظر وحتى السؤال، وما جاهلنا ولا عالمنا بخير من إبراهيم الذي سأل ربه {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} سورة البقرة، وكأننا لم نقرأ هذه الآية المبصرة، التي أذن الله من ورائها بكل سؤال يقصد العبد به معرفة ربه.

 

ثم رَدّوهم وصَدّوهم بأحاديث ما صح منها شيء، من مثل "من قال بالقرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"، و"من قال بالقرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، فهذه من جملة الأحاديث الضعيفة التي لا يحتج بها أحد من أهل الحديث المحققين، عدا عن خلافها لظاهر القرآن، كما أنها لم تصرف أحداً من العلماء العدول عن النظر والقول برأيه، فما زالوا –رضي الله عنهم- ينظرون ويبحثون ويقولون برأيهم واجتهادهم!.

 

وهذا القرآن كلمة طيبة، كشجرة طيبة، تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها، ونحن في حين له أُكُلُه وله ثمره، فلا يَصح أن يُشاع في الناس أن قوماً ما، في حين ما، قد قطفوا كل ثماره، فكُلوا مما قطفوا لكم!، فمن قال بها، فقد أعظم الفِرية!.

 

 

ثم إننا في "أهل القرآن" لا ندعو الناس إلى الاستخفاف بالقرآن أو الاجتراء عليه، ولا ندعو العامة إلى تبوء محراب التفسير، بل ندعوهم إلى مقاعد الاستفسار والسؤال والاهتمام بكل آيات القرآن، فذلك الخير كله، والعلم كله، فالسؤال الصالح نصف العلم.

و"أهل القرآن" يدعون المسلمين كافة إلى تعظيم القرآن وتوقيره وولوج أبوابه، ولا يدعونهم إلى تسوّر محاريبه، فالسؤال والتدبر والتفكر شيء، -وهو من أفضل العبادة-، والقول بغير بحث ولا تقَصٍّ ولا هدي شيء آخر، والأول حق محمود، والثاني باطل مذموم.

 

والخلط بين "شروط التفسير"، و"شروط التدبر"، من الصدّ عن سبيل الله، لصرف الناس عن هدي الكتاب، فلا شرط للتدبر غير السمع والبصر والفؤاد!. {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} سورة الإسراء. بل التدبر مفروض في حق الكافر قبل المؤمن، فهل آمن كافر إلا بعد تفكّر وتدبر؟. فمن ذا الذي يقول إن على الكافر أن يعلم من التفسير والفقه والحديث، قبل أن يشرع في التدبر والتفكير؟.

 

 

وعلى المُغالين بالاستمساك بسَوْط "العربية" وعلومها، وأشعارها وقبائلها، كشرط جامع مُعنِت "للتدبر والبحث"، بما يُثقل على المقبل على الكتاب فيرتد راجعاً. وكأن كل المتدبرين الصالحين من قبل، كانوا على علم بذلك كله!. عليهم هم أن يجيبونا بماذا نفعت عربية أقحاح قريش كفارَها بعد كفرهم؟. وماذا ضرّت الأعاجم عُجمتهم حين آمنوا. وهل كان أبو سفيان في كفره أعجميا، فتعرّب فآمن؟.

 

وهل على من أحب أن يتدبر في سورة "قل هو الله أحد" ذات الكلمات المعدودة، أن لا يفعل، حتى يجمع علوم العرب والأعراب، والنثر والأشعار، وألسن القبائل واللهجات، ثم الناسخ والمنسوخ، ثم علوم الحديث –وما أدراك-، ثم اختلاف العلماء، حتى يعلم ما "الصمد"؟. ثم إذا علم، أيسكت أم يقول؟، ثم إذا قال، أيأثم أم يثاب؟. تالله إن هذا لقول مختلف، يؤفك عنه من أفك!. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} سُورَةُ القَمَرِ

 

 

بل العقل والقلب مناط ذلك كله، وما سواهما فهو فضل، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} سُورَةُ مُحَمَّد.

وليقرأ لنا، المشترطون هذه الشروط، قول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): "ما بال أناس يشترطون شروطاً ليس في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق"!. رواه البخاري.

 

والقول بـ"شروط التفسير" إنما هو مما أحدثه الناس بعد النبوة، ليضبطوا مداخل الوافدين على الكتاب، فلا يصح إن يُخوف بها الناس كأنها نزلت من عند الله!،وليس للنبي (صلى الله عليه وسلم)فيها سطر ولا كلمة!. ولم يَحُز كثير من الصحابة العدول هذه الشروط جميعاً، وهم الذين نزل القرآن عليهم، فحملوه وبلّغوه!، فلم يكونوا مفسرين قدر ما كانوا متدبرين مدّكرين!.

 

ولم يكن الناس بحاجة إلى هذه الشروط قدر حاجتهم إلى التدبر والتفكر، فالمؤمنون يعرفون المفسد من المصلح، وليس هذا مما يخفى على الناس، فكم من غني بهذه الشروط لم ينفع المسلمين بشيء، وكم من مُقِلّ بها، مكثر بالنفع والفهم، عن جهده واشتغاله؟. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ } سُورَةُ الرَّعْدِ.

 

بل الغُلوّ في القول في "التفسير" و"شروط المفسر" و"كتب التفسير"، إنما يوحي إلى الناس أن القرآن مبهم صعب معجم، الأسلم تركه، فبدل أن يُمجّدوه اجتنبوه، وإثمهم على من صدّهم!.

فيما يعرض الله كتابه على أنه هو التبيان والتفسير {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ (تِبْيَانًا) لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } سُورَةُ النَّحْلِ {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ (تَفْسِيرًا)} سُورَةُ الفُرْقَانِ.

 

فخير من كلام الناس كلهم، آية الله هذه {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } سُورَةُ الدُّخَانِ.

 

وحجتنا في هذا كله، أن النبي (صلى الله عليه وسلم)يوم مات، لم يوصِ بكتاب من هذه الكتب، ولا برجل من رجالها، فمن افترض بعد النبوة شيئاً، فقد أحدث في دين الله ما ليس منه!.

 

والقائم للقرآن المشتغل به أحد اثنين، إما صالح مصلح يحفظ حرمته وهيبته، ويتتبع البينات والبراهين والمسانيد، فذلك مشكور وإن أخطأ. والآخر مفسد ملحد فيه، فذلك شيطان مدحور وإن أصاب بعضاً. {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الأَحْزَابِ

 

فنريد من المؤمنين أن يحملوا أمانة الله ولا يضيّعوها، فعلى كل واحد فينا ما على الأئمة من عهد وحفظ وحراسة، فالله ربنا وربهم، ورسوله وكتابه كذلك.

 

والله رب كل عبد فينا بعينه، ورسوله رسوله إلى كل عبد بشخصه، ولكل عبد حقه الخالص في الأخذ والتلقي المتصل مباشرة إلى رسول الله عن الله، وليس لأحد حق في الدخول بين العبد وربه إلا بإذن وقبول، {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ} سُورَةُ التَّوْبِةِ، ومقابل هذا الحق واجب وفرض ثقيل، من ثبت له قدمه الله، ومن قعد عنه أخره الله.

 

ثم لينظر من يشاء كيف يأبى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)أن يتدخل أحد بينه وبين المُبلَّغين: "نضر الله امرءا سمع منا حديثاً، فبلغه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع". ولتقف -رعاك الله- على إصرار النبي (صلى الله عليه وسلم)في وجوب التبليغ كما يُسمع منه لا كما يُفهم، "فبلغه كما سمعه"، فرب مبلَّغ أوعى من سامع إلى يوم القيامة، والنبي (صلى الله عليه وسلم)يعلم أنه ليس بيننا وبينه من المبلِّغين ابتداءا إلا الصحابة العدول، إلا أن هذا كله لا يشفع لأحدهم أن يؤخر كلام النبي (صلى الله عليه وسلم)ويقدم فهمه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} سُورَةُ الْحُجُرَاتِ.

 

{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} سُورَةُ القَصَصِ، فحجة الله في وصول "القول المجرد"، وما "القول" إلا قول الله أو قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا قول لأحد بعد الله ورسوله.

بل الناس كلهم تبع للنبوة، ولا فضل لعالمهم إلا بما عنده من القرآن أو الحديث، وما تفرد به من قوله هو، فهو فضل لا حجة لله فيه. {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} سُورَةُ النِّسَاءِ.

 

 فمن شاء أن ينزل عن حقه في الأخذ المباشر والنظر الحر بما أعطاه الله من السمع والبصر والفؤاد، ثم أذن لمن أذن من الناس ليأخذ له وينظر عنه نيابة فهذا شأنه وحقه، ومن شاء أن يحتفظ بحقه وينفق على نفسه مما آتاه الله من السمع والبصر والفؤاد، فهذا شأن المستبصرين أولي العلم. و"أهل القرآن" يفضّلون الآخرة على الأولى.

 

فأقبِِلوا على كلام الله فاحملوه واحيَوْا به، فهو خير ما تقربتم به إلى الله، "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري، وإنما تضيعون وتضلون ما هجرتم الكتاب.

 

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} سورة المائدة، فمَن من العلماء أو من الناس مَن يقول: إن الله أنزل كتاباً أو أرسل رسولاً بعد هذه الآية؟، فإن قالوا: ما أنزل الله بعدها كتاباً ولا أرسل رسولاً، فاعلموا أن العلم كله في خالص القرآن والحديث، قبل أن يُحدث تفسير أو قول من الناس، ثم اسألوهم: أما كان عليه الصحابة -من الكتاب والحديث- خير، أم ما نحن عليه؟، فسيقولون: بل الصحابة خير، فقولوا لهم، أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟. أيكتفي أبو بكر وعمر بالأصْليْن الاثنين، القرآن والحديث، ونعوم نحن على بحر من الفروع والخلاف، وقيل وقال!؟.

 

بهذا نقول: إن النظر "المجرّد" في التفاسير خير، ففيها من العلم الصالح، وفيها من الزلل والخطأ، فلا بد للناظر فيها من ميزان أمين حتى لا يزيغ ولا يضل، أوله أن يعلم أن الصواب في التفسير ما اُسند إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسند صحيح، او استنباط على نهج المحققين المسندين من العلماء، باستقراء الآية بالآية وبالحديث، وما تحمله العربية والبينات، وما سوى ذلك من الروايات والأساطير التي لا سند لها للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فتبدأ بـ"قيل" المُمرَضة، و"رُوي" المبهَمة، فالأصل رده وإبطاله وإشهار فساده دون حرج، بل الحرمة في السكوت عنه، حتى لا يضل به أحد من المسلمين، فهو باعتبار النبي (صلى الله عليه وسلم)وعلماء الحديث ضرب من الكذب!. و"الدين النصيحة".

 

وقد ورد عن أئمة الحديث، أن التفاسير من الكتب التي لا أصل لها!. فلِمَ تُفرضُ على الناس فرضاً؟!.

 

ثم اعلم أن الصحابي الواحد لا حجة له بقوله من نفسه ما لم يسنده إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أو يشده ببينة، في التفسير أو في غيره، بدليل اختلاف الصحابة فيما بينهم!.

 

 وكم من مسألة في التفسير أو في الفقه قال بها فُرادى الصحابة أو بعضهم، ولم تُلزم من غيرهم ولا من بعدهم!.

 

 

 

وبجانب هذا الحذر عند القبول، والحرص على نقاء الخبر والمنقول من الخلط والهوى، فـ"أهل القرآن" خلفٌ بارٌّ بسلفه الأول من العلماء الأصول الذين حملوا أمانة النبوة والكتاب فبلغوها، فندعو لهم بالمغفرة والرحمة، ونقرّ لهم بالفضل والإكبار، فالمؤمن بارٌّ شكور.

 

فنصحنا لهم وحرصنا عليهم، حرص على ديننا وأمتنا، فهم مداد هذا العلم، وصحف بلاغه، فمن فرّط بأهل العلم العدول، يوشك أن ينبتر، ومن فرط بالبينة والبرهان يوشك أن يضل {اولئكَ الذينَ هدَى اللهُ فبهُداهُم اقتدِهْ} سورة الأنعام .

فلا اقتداء بغير هدى، ولا هدى بغير برهان!.

 

فالعدل والهدى عند من عدل بين صون أهل العلم، وبين الحرص على البينة والبرهان من كل قائل وناقل، فعن عدولنا أخذنا أن لا عصمة لأحد بعد محمد (صلى الله عليه وسلم){أفَمَنْ يَمْشِي مُكِبَّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى، أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقيم}.

فشكر الله لمصيبهم إصابته، وغفر لذي الزلة زلته {رَبَنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوانِنَا الذِيِنَ سَبَقُونَا بِالإيمَان}، {رَبَّنَا لَاتُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأنا}.

 

 

 

هذا منهجنا بوضوح

 

نحن "أهل القرآن" همنا كله كتاب الله المجيد، نتقرب إلى الله به، ونسعى إلى الاستزادة من العلم والبصيرة والبينة على أنها من خير العبادات وأزكاها عند مليكنا، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً}. وسبيلنا إلى هذا العلم كتاب الله وحديث نبيه وحسب، نديم فيه النظر، ونقيم فيه التدبر، ونعيد فيه السؤال، فكلمة من كلمات الله خير من مصنفات الثقلين جميعاً، والاشتغال بفرع من فروع النبوة خير من الاشتغال باُصول العلماء جميعاً، فلا نلبس الكتاب والنبوة بشيء أبداً، إذ كل ما سواهما فضل من كلام الناس.

 

وننظر في أوراق العلماء الصالحين ونطّلع عليها، ولكن لا نتدين ولا نحتج بغير كتاب الله وما صح من حديث نبينا(صلى الله عليه وسلم).

ونسمع ونسأل كل عالم صالح، ولكن لا نتبع ولا نسلّم إلا بالكتاب وما صح من حديث نبينا(صلى الله عليه وسلم).

 

ولا نقبل أن يحاججنا أحد بقول "أحد" من الناس، وقيل وقال، وجزم فلان، فحجة الرجل في بيّنته وبرهانه، لا في اسمه وألقابه، ولو أقسم عليها مائة يمين!.

ولو اتفق شيوخ المفسرين جميعاً على قول "من عند أنفسهم"، وجاءتنا جارية ببينة من الكتاب والحديث، لقدّمناها وأخرنا قول الشيوخ و"جزم" الجازمين. فالحق أحق أن يُتبع!.

 

ونستعظم أن يحتج الناس بقول "فلان" أياً كان، كما يُحتج بقول الله ورسوله، "إنّه لا نبيَ بعدي"البخاري،     {يا أيُّها الذين ءامنُوا لا تَرْفِعُوُا أصْوَاتَكمْ فَوْق صَوْتِ النّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضْ} الحجرات.

 

وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ويقولون: قال أبو بكر وعمر"!.

وهذا الاستمساك بكتاب الله وحديث رسوله، هو عندنا من مقاصد الشهادة، أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

 

فلا قولنا من أنفسنا حجةً على أحد، ولا حجة في قول "أحد" علينا، إنما الحجة لله وللرسول!.

فمن أراد الهدى قصد مصدر النور، فلنُعد القراءة ولنُدم النظر، فثابت محمد (صلى الله عليه وسلم)ثابت، وثابت الناس، ثابت وغير ثابت.

ولا نُقرُّ أن عصراً ما قد استأثر بالعلم والفهم كله دون العصور، فقد يجتمع في عصر علماء أكثر من غيره، ولكن لا يحصر الله العلم والفهم في أمة ولا في زمان، "مثل اُمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خير أو آخره"أحمد. {ثُلّةٌ مِنَ الْأوَّلِينَ وَثُلّةٌ مِنَ الآخِرِينَ} الواقعة.

 

ولا نقبل أن يُشاع في المؤمنين أنهم لا يصلحون إلا مقلِّدين توابع للسابقين، فلا ينبغي لهم النظر والاشتغال!، بل الأولون بدأوا الدين، والآخِرون سيُظهرونه، والأولون أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)، والآخرون إخوانه كما صح عنه (صلى الله عليه وسلم).

 

بوضوح وقوة.. نريد أن نُقدّم كتاب الله وحديث نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونؤخّرَ كل الكتب على إطلاقها، فلا يزاحمه أحد، ولا يلتبس بشيء أبداً، وذلك الذي كان عليه نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)وحواريوه، وذلك منهاج النبوة!.

{يا أيُّهَا الَذِينَ ءامَنُوا لا تُقَدّمُوُا بِيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِه}!.

 

فلتُحمل كلمة الله حق حملها، وليُدرس كتابه حق دراسته، لا حق ولا فضل في ذلك لعبد دون عبد {قُلْ إنَّ الهُدَىَ هُدَى اللّهِ، أنْ يُؤْتَىَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا اُوُتِيتُمْ، أوْ يُحَاجُّوُكُمْ عِنْدَ رَبّكُمْ، قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالّلهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ٭ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَالّلهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}. آل عمران

 

 

رسالتنا إلى الخاصة

 

ولنا رسالة ونصيحة لخاصتهم وعلمائهم، أن يتقوا الله حق تقاته، وأن يبيّنوا الكتاب للناس كما أمر الله، وأن يحضوا الناس عليه، ويدفعوهم إليه ولا يصدوهم عنه. فثَم فرق كبير بين أن يُعظّم القرآن في قلوب الناس وأنفسهم، وبين أن يُخوّفوا منه!.

 

رسالتنا إلى علماء التفسير

 

ولنا رسالة خاصة لعلماء التفسير، أن يقوموا على ما وصَل إلينا من أمهات الكتب والتفاسير جميعها، مما بات بأيدي الناس، فيراجعوها ويحققوها، فيثبتوا صحيحها، ويمحوا باطلها وخطأها، أيّاً كان قائله، بغير حرج ولا كتمان، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.{بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَبِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَروا بِآيَتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. المائدة

 

فثم أقاويل في بعض التفاسير عندنا، لو أدركها الصحابة الأربعة المهديون ما سكتوا عنها، فهي شطط فاسد، لا بد من محوه والرجوع عنه والبراءة منه، فجنب الله ورسله أولى بالصون والتبجيل من جنب عالم مخطئ، والله لا يستحيي من الحق!.

 

و"أهل القرآن" قائمون لهذه ماضون بها بأنفسهم ما وسعهم، فهذا عهدنا مع ربنا، وهذه من أشرف أعمالنا، {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ} سُورَةُ الْمَائِدَة، ِ فإن كنا ساكتين عن حق، فليس عن حق الله!.

 

فها هم علماء الحديث، لا يتحرجون أن يردّوا حديثا على رأسه اسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)لِعلة في الرواية أو الدراية والمعنى، ولا يعتريهم بذلك حرج ولا عنت أيا كان راوي الحديث، فما بالنا نتحرج في روايات التفسير وعلى رأسها اسم الله الأجل، حفظا لهيبة فلان أو فلان من الناس؟.

 

فكم في التفاسير مما لا يليق برعاع الناس وسفهائهم، مما ألصق بالرسل والنبيين ثم اُلصق تباعاً بربنا الحميد المجيد، بدعوى الأمانة في النقل والرواية، أفكلما قال قائل كتبنا؟.

 

وكم تكلّم العلماء العدول الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فبينوا ما ورد في التفاسير من الغي والضلال والبطلان، وبقيت جهودهم ورسالاتهم طَيّاً وحِجراً محجوراً، وبقيت تلك التفسيرات الباطلة في كتبها على حالها وهيبتها وجلالها في قلوب العامة من الناس، فتطبع وتجوّد وتذهّب من جديد، وفيها ما فيها من التجديف والشتائم للنبيين المكرمين، وفيها ما فيها من الظن والكذب والرجم بالغيب، ما لا تقبله أمّة ما، حتى تقبله أمة الإسناد والتوثيق!.

فقطرة الخبيث في الطيب تفسده، والزلل في المحارم كبيرة!.

 

وحتى غدا الناظر المتدبر ذو البينة والبرهان عالة على هذه التفاسير، خارجاً عن ملّتها، محارَباً ممن يستمسكون بشروح الآباء بغير سلطان أتاهم، ولا يستمسكون  ببينات ربنا ورسوله (صلى الله عليه وسلم). {إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} سُورَةُ الزُّخْرُفِ، فرَكَن الدارسون إلى كل موروث مألوف، وفضّلوه على الحق الذي لم يألفوه.

 

والحق يقال، إن الله لا يذر المؤمنين على ما هم عليه، إلا وفيهم ناصح أمين، فلم تخلُ عصور المسلمين من رجال مجدِدين باحثين، أتوا للأمة بالخير، وأخرجوا من بركة الكتاب ما خفي على أوّلنا، وما زالوا يفعلون.

 

 

رسالة "أهل القرآن" إلى الدعاة والجماعات

 

ونقول لإخوتنا الدعاة في الجماعات، أن يبدأوا بأنفسهم، فقبل أن يدعوا الناس إلى الإسلام بقرآنه وحديثه، أن يملأوا صدورهم هم من القرآن والحديث، فتصبح دعوتهم قرآنا بقرآن، وحديثاً بحديث، ويهجروا قال فلان، وقال فلان، وأن يؤخروا الشعر والنثر عن القرآن، فمن أكثر من شيء عُرِف به!. فترى أخانا الداعي إلى الله يعتلي المنابر، فلا يذكر من القرآن إلا قليلاً، وسائر كلامه من نظمه هو، أو شيخه أو إمامه، فيُقدمُ كلام الناس، ويؤخر قول الله وقول رسوله (صلى الله عليه وسلم).

و"المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيباً أصلحه" الأدب المفرد

 

فكيف تدعون الناس إلى كتاب لا "تحملونه" معكم؟.

وكيف تدعونهم إلى نبي لا يجدونه فيكم؟.

 

كيف ينظر "أهل القرآن" إلى إخوانهم الدعاة والجماعات؟

 

ننظر إليهم بالاعتبار الواسع الكبير، أن المؤمنين أمة واحدة، وجسد واحد، فيهم الصدر، وفيهم اليد، وفيهم اللسان، وفيهم القلب والعقل، ينصر بعضهم بعضاً، ويعينه ويؤازره، ويدعو له بخير وينصح له.

 

فلا يحلّ لهم التنازع ولا التباغض ولا التدابر، وهذه وصية الله ورسوله إليهم: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله" رواه البخاري، فهم جميعاً –وهذا شرفهم- مستَأجرون بين يدي السيد الرب، الملك المجيد {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ

 

 

بهذا الميثاق بيننا وبين ربنا، يبرأ "أهل القرآن" من كل ولاء لغير الله والنبي (صلى الله عليه وسلم)، فلا يتولى بعضنا بعضاً من دون الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، لا شيخاً ولا عالماً ولا إماماً، ولا يتعصبون لأحد من الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ثم نرى أنفسنا إخوة للمؤمنين جميعاً، ولو رأوا غير رأينا، ما لم يُبطلوا حقاً، ويُحقوا باطلاً متفقاً.

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَاكِعُون} سُورَةُ الْمَائِدَةِ

 

 

 

 

 

فهذه رسالة "أهل القرآن" لأنفسهم، وللمسلمين كافة عامتهم وخاصتهم، أن يكون القرآن كل همهم، قراءة وتلاوة وتدبراً ودراسة وادّكاراً، فيتعلموا قراءاته وحروف النبوة فيه. ويعلِّموها من يلونهم من الناس من أهليهم وأقربيهم، وأن ينزلوه منزلة الذي أنزله، وهو الله العليم الحكيم، فيخرجوا مسائله، ويتراجعوا فيه ويتعارضوه، فبكلام الله وروحه يثبت المؤمن، ويزكو وينصلح فرداً وأمة وعالمين {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَبُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} سُورَةُ الشُّورَى

 

 فلينظر كل عبد في القرآن على أنه اُرسل به لتوه من الله إليه خاصة، فلا يقعدن عنه ولا يُلقين به وراء ظهره!.

{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} سُورَةُ ص

وليقترب من النبوة والكتاب، وليجتز حوائل الناس وسدودهم التي اصطنعوها بيننا وبين ربنا القريب. فأول كلمة من أول سورة نزلت {إقرأ} وآخرها {اقترب}، فاقرأ واقترب، باسم ربك لا باسم أحد دونه!.

 

{كِتَبٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} سُورَةُ ص، والآية عنت الناس جميعاً، بعلمائهم وعوامهم!.

فلا شرط للتدبر غير العقل، لا شرط للتدبر غير العقل!.

 

فنريد المؤمن المستمسك بالكتاب، الذي يحمله بيده، ويحمله في صدره، ويُقلّبه ويتصفحه بعينه وقلبه وفؤاده. وتأتمر به جوارحه، أوليس هذا كلمة ربه الذي خلقه وأطعمه وأمّنه؟.

 

ثم نريد المؤمن المُمَسِّك بالكتاب، الذي امتلأ بالقرآن ففاض به على من حوله، فعرضه عليهم ورغّبهم فيه، فأحَبوه وأحَبوا الله الذي أنزله، فذلكم الصِّدِّيق، فذلكم الصِّدِّيق!.

بهذا يكون المؤمن ربانياً في السماء والأرض {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} آلِ عِمْرَانَ

 

 

ثم اقرأ حديث حجة الله على الناس نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وانظر أين أنت منهم نفعك الله وقدّمك.

"إن لله أهلين من الناس،

قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته". رواه أحمد

 

فهل من مشَمِّر لكلمة الله، وميراث النبي الأمي محمد (صلى الله عليه وسلم).

 

اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه ومالكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءً أو أجره إلى مسلم .

 

 

صلاح الدين إبراهيم أبوعرفة

بيت المقدس. ذو الحجة  1425